ابن يعقوب المغربي
496
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
بتركه طلبه كأنه مستغن عنه ) أي : لا يحتاج إليه مع شدة احتياجه إليه لو كان له ميز ، وذلك أن العاقل لا يترك طلب شيء إلا إن كان مستغنيا عنه ، فعبر بالاستغناء عن ترك طلب ما عند اللّه تعالى على وجه الترفع عنه إنكارا له ، وترك طلبه كذلك كفر ، وإذا كان كافرا ( فلم يتق ) الكفر ( أو ) المراد باستغنى أنه ( استغنى بشهوات الدنيا ) المحرمة ( عن ) طلب ( نعيم الجنة ) إما أن يكون ذلك على وجه يؤديه إلى إنكار النعيم فيكون كافرا ويعود إلى الوجه الأول ، وإما أن يكون ذلك سفها وشغلا باللذة المحرمة العاجلة عن ذلك النعيم ، وأيا ما كان ( فلم يتق ) أيضا ، وإنما قيدناه باللذة المحرمة ؛ لأن كل من لم يرتكب المحرمة أصلا لا يخلو شرعا وعادة من طلب النعيم الأخروي ، وإنما المستلزم لعدم التقوى هو الاستغناء بالشهوات المحرمة ، فعدم الاتقاء ليس هو نفس الاستغناء بالشهوات بل الاستغناء ملزومة ؛ لأنه فسر الاستغناء بالشغل بمحرم والشغل بالمحرم يستلزم نفي التقوى التي هي الطاعة ، بخلاف تفسيره بالزهد فيما عند اللّه تعالى بمعنى الكفر بما عنده تعالى ، فهو أظهر في الدلالة ، وإن كان الكفر ملزوما لنفي التقوى التي هي الطاعة على هذا النمط أيضا ، وقد تحقق أن الاستغناء ملزوم لنفي النفي كأن التقابل بينهما من الملحق الذي هو أن لا يتقابلا بأنفسهما ، ولكن يستلزم أحدهما ما يقابل به الآخر كما في قوله تعالى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ هكذا قيل ، ولك أن تقول : متى فسر الاستغناء بالشغل بالشهوات المحرمة ، أو بالكفر كان مضادا للتقوى ، فلا تضمن ، اللهم إلا أن يراد الشغل بمطلق الشهوات لجريان العادة أن الشغل بمطلق الشهوة يستلزم غالبا ارتكاب محرم ، وذلك الارتكاب ضد التقوى ولكن المناسب لقوله تعالى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى تفسيره بالمعصية التي معها الكفر ، أو يراد بالاستغناء مجرد عدم الطلب ، ولما كان سببه الشغل بالشهوة المحرمة أو الكفر كان ملزوما لعدم الطاعة التي هي التقوى ، تأمله . ثم أشار إلى ما زاده السكاكي في تحقيق المقابلة بقوله ( وزاد السكاكي ) في تعريف المقابلة قيدا آخر لا تتقرر حقيقتها عنده إلا به ، وذلك أنه قال : هي ، أي : المقابلة أن يجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما ( وإذا شرط هنا ) يعني في المتوافقين أو